عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
92
معارج التفكر ودقائق التدبر
فالحزن يشغل الحزين عن القيام بالأعمال الجهاديّة الّتي تتطلّب الرّجاء والتّفاؤل . ومعلوم أنّ إرادة اللّه الحكيمة قد قضت بأن يضع النّاس في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، وأنّ على كلّ ممتحن مكلّف أن يختار بنفسه مصيره ، بعد البيان الكافي له . فمن اختار لنفسه طريق جهنّم وهو كامل الأهليّة الفكريّة والإراديّة ، فلا ينبغي أن يحزن أحد من أجله ، إنّه إذا لم يشفق هو على نفسه ، وهي أحبّ شيء إليه ، أفيستّحقّ أن يحزن أحد من أجله ؟ ! * قول اللّه تعالى لرسوله في الوصية الرابعة : * . . . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) : أي : تواضع للمؤمنين ، وأحطهم بالحنان والرّحمة والرّعاية والحفظ . وقد جاء في هذه العبارة استعارة خفض الجناح للدّلالة على هذه الأمور ، أخذا من حركة الطائر حينما يخفض جناحه تواضعا لطائر آخر ، وحينما يخفض جناحه ليحيط فراخه الصّغار ويضمّها إلى دفء صدره ويجلّلها بريشه ، رحمة بها ، وحنانا عليها ، ورعاية وحماية وحفظا . ومثل هذا التعبير يسمّى عند البلاغيّين استعارة مكنيّة ، إذ حذف المستعار الذي هو في الأصل مشبّه به ، وهو الطّائر ، واستخدم في اللّفظ بعض لوازمه . * قول اللّه تعالى لرسوله في الوصية الخامسة : * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) : أي : وقل يا محمّد للمعاندين المصرّين على باطلهم ، الّذين بلغوا دركة الميؤوس من استجابتهم لدعوة الحقّ ، عن طريق إراداتهم ذوات